ابراهيم بن محمد البيهقي

406

المحاسن والمساوئ

النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، من غير وجه ولا اثنين أنه خطب الناس فقال في خطبته : « إنّ اللّه جلّ وعزّ قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا من عامي هذا إلى يوم القيامة ، فمن تركها استخفافا بها وجحودا بها فلا جمع اللّه شمله ولا بارك له في أهله ولا حجّ له ولا جهاد حتى يتوب إلى اللّه جلّ وعزّ ، فمن تاب تاب اللّه عليه » « 1 » . ثمّ قال : يا قوم ما الذي حرّكنا على هذه الفضيلة في جوف هذه الليلة ؟ قيل : السكّر الطبرزد . قال : أجل واللّه فما أحضرتموني من سكّر إلى هذه الغاية ! أيا نصح أيا فتح أيا صبح أيا نجح تبادروا مولاكم فإنّه قد نصب وتعب من طول القيام ! واللّه لأحسب الثريّا مقابلة سمّت رأسي ، ذهب واللّه الليل وجاء الويل ، ويلكم أدركوني فإني أريغ نومة ولا بدّ لي من البكور نحو الدار . فبادرت حرمه الخاصة فحثّوا الباعة وانبهوا السوقة وأخذوا ما عندهم على غير سوم وجاءوا به . فقال : ما هذا ؟ قالوا : ما أمرت به . قال : فهل أخذتموه على الصفة التي وصفت لكم ؟ قالوا : نعم . قال : فهل ورثتموه واستوجبتموه ؟ قالوا : لا . قال : يا أعداء اللّه أردتم أن تفسدوا ديني ! لا واللّه لا يطمع مني في هضيمة ، لا واللّه لا تزال هذه حالي حتى تأخذوه بيعا صحيحا ، لا شرط فيه ولا خيار ولا مثنويّة ولا على حدّ تلجئة ، هيهات يأبى اللّه جلّ وعزّ ذاك عليّ . قال : فرجعوا وساوموا الباعة وقطعوا ثمنه وأخبروه . فقال : يوزن بحضرتي . فأتوه بالقبّان . فقال : من يزن منكم ؟ قال : من أمرته . قال : زن يا نصح فقد دنا الصبح وأرجح فإنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، اشترى فقال للوزّان : « زن وأرجح » . واللّه لو لم يكن في الرّجحان إلّا تحلّة القسم لكان في ذلك ما يدعو العلماء والفقهاء في دين اللّه جلّ وعزّ إلى العمل به . فجعل الغلام يزن ويرجح وهو يقول : ويلك عجّل فداك أهلك قد دنا الصبح أوه خرجت نفسي أو كادت ! فلمّا استوى الوزن خرّ مغشيّا عليه ما يدري أرضا توسّد أو وسادا ، وكذلك كانت حال من كان في مثل حاله . فهذه يا أمير المؤمنين حال من أحمدت علمه وفهمه ورأيه . فقال المأمون : قاتلك اللّه ما أعجب أمرك ! على كلّ حال واللّه لئن كنت ولّدت هذا عن أبيك في مقامك ما في الأرض نظير ولا في السماء شبيه ، وإن كنت حكيت عنه عيانا ووعيت فلقد أجدت الحكاية وأحسنت العبارة وما لأبيك في الدنيا شبيه ، وإنّك لتغمر مساويك بمحاسنك فلا تذكرنّ شيئا من هذا بعد هذا المجلس فإن عيبه فينا أقدح منه في أبيك . قال : فذهب عليّ ليتكلّم ، فقال المأمون : لا تبضّنّ لسانك بحرف واحد . ثمّ أمر بنيه بالانصراف .

--> ( 1 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية ( 8 / 295 ) .